apple-timelineالقرن الماضي

حدثت هذه القصة في القرن الماضي تقريبا قبل عشرين سنة عندما دخلت الجامعة، كلية التجارة، و على وجه التقريب عام 1991 عندما كانت اجهزة الحاسب (الكومبيوتر) PC ذات شاشات خضراء و ربما مونوكروم، و عندما لم يكن هنالك هارديسك كانت مجموعة من الاقراص المرنة و المرنة جدا من القياس الكبير.
مكتبة الأسد بما اني كنت طالبا في كلية التجارة و لم يكن لدي جهاز كومبيوتر من النوع الغالي، و بعد ان فهمت كل شي في جهازي الصغير سنكلير، من البيسك إلى لغة الآلة إلى المقاطعات interrupts و هذه كانت آخر شيء تعلمته فيه و لم يكن بعدها شي ممكن ان تتعلمه, قررت الذهاب إلى “مكتبة الاسد” التي فيها جهازي كومبيوتر للطالاب، فهي مكتبة عمومبة ضخمة جدا في وسط المدينة، اضخم مما تتصور، كانت رائعة فيها كل الكتب التي تريدها، و كان في قبو المكتبة أجهزة كومبيوتر “صخر” و اثنين من الاجهزة ال PC واحد بشاشة خضراء XT و الثاني بشاشة ابيض و اسود AT، بدون قرص صلب و كنا نحتال على الذاكرة حتى نستطيع وضع نظام دوس DOS فيها و تشغيل بيئات البرمجة منها Turbo C و Turbo Pascal و البعض يقوم بتشغيل DBASE وهو لقواعد البيانات مثل الأكسس.
كان يحق للطالب ساعتين للجلوس امام الجهاز، و بما اني لم اكن من المحظوظين لم يكن لدي فرصة للجلوس إلا نادرا، ساعتين كانت تكفي لتطبيق كل الخوارزميات التي اكتبها طوال اليوم في مخي، و احيان كنت اجلس إلى جانب احدهم مراقبا مايفعل، إلى ان يضيق نفسه مني فيترك الجهاز لأحصل على ربع ساعة منه و ربع ساعة من الذي يأتي بعده، استطيع في نصف ساعة ان اجرب الكثير، الذي كان يزعجني هو كلما حصلت على المقعد احسست بحاجة شديدة لدخول الحمام فتجدني اكتب الخوارزمية في حالة رقص على المقعد، طبعا لا تضحكو استمرت حالة نفسية عندي إلى الآن ما إن اجلس إلى الحاسب حتى احس بهذا الشعور، كانت هذه الطريقة جيدة لعلاج الامساك المزمن عندي.

أول برنامج كتبته بدأت من حيث انتهيت في جهازي الصغير، بدأت بالمقاطعات interrupts و بعيدا عن التقنية، هذه التقنية هي الاساسية في تصميم الفيروسات وفعليا اول برنامج  كتبته هو برنامج يقوم بطباعة رسالة متحركة على زاوية الشاشة تبقى موجودة مهما انتقلت بين البرامج و هي نوع من الفيروسات، و لكن لا ينسخ نفسه على الاقراص.

الفيروسات

بينما كنت انتظر فراغ احد الكراسي، و كالعادة كنت اجلس قريبا من الجهاز اقرأ احدى الكتب البرمجية، إلى جانب مجموعة من الطلاب قدموا مع استاذهم (المعيد في كلية الهندسة) ليشرح لهم فنون الحاسب، برمجيا و عمليا،  كنت استمع اليهم و لم يكن يعجبني الكلام، كنت و مازلت من النوع الذي لا يستطيع ان يغلق فمه.
كان الاستاذ يشرح عن الفيروسات، قال: ان الفيروسات ناتجة عن نسخ الملفات من قرص إلى آخر، و عند نسخ ملف يقوم الجهاز بنسخها إلى ملف محذوف مسبقا، فإذا كان الملف المنسوخ اصغر من الملف السابق المحذوف فإن الفرق الناتج يصبح فيروسا يتنشر مع نسخ الملفات و يكون له آثارا سلبية.
عند هذه الجملة ضربت يدي برأسي (ضمنيا) و لم استطع إلا ان افلت لساني: عفوا الفيروس هو برنامج من صنع مبرمج يقوم بنسخ نفسه من قرص لاخر ملحقا نفسه بملف تنفيذي، و لا يتولد بشكل عشوائي بالطريقة التي ذكرتها.
طبعا الاستاذ بدلأ من ان يناقشني سألني: في اي كلية انت، قلت: سنة اولى تجارة.
فنظر إلى مجموعة الطلاب، كانو اربعة طلاب، و كأنه كلفهم بتأدية طقوس السخرية مني، عدا واحد الذي انتبه إلى فكرتي و سكت لأنه لا يستطيع أن يخالف الاكثرية، احدهم كان يعيد شرح كلام معلمه عن طريقة الصدفة في نشوء الفيروس.
و انا أرد و اعيد شرح تقنية نسخ الفيروس لنفسه انها لا يمكن إلا ان تكون من مبرمج، و عبقري ايضا، و لكن نظرات الاستحقار، نظرات إلى رجل من اهل الكهف، (كلية التجارة) أو ربما رجل من العصور الوسطى و القرن الماضي. كان لابد لي من ان انسحب من المناقشة، بعد ان ريق ماء وجهي، رافعا اصبعي إلى الاعلى قائلا في نفسي: (اشهد ان لا إلاه إلا الله و اشهد ان محمدا رسول الله، الآن وصلت إلى الأيمان الكامل بالله) هذا ما قلته في نفسي في تلك اللحظة، و ماقلته ليس ناتجا عن مطابقة نظرية الاستاذ بنظرية التطور المعروفة، بل أنه كيف استطاع ذلك العقل البشري التقني ان يستوعب شيئا غبيا مثل هذا.

القصة حقيقية 100% و لايوجد زيادة فيها، و لكن لم  اكتبها في مدونة لأنه منذ ذلك الوقت تركت النقاش في هذه الامور حفظا لكرامتي.